السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
11
مختصر الميزان في تفسير القرآن
لم يكن لشيء من الأشياء أن يتوسط في تدبير أمر من الأمور - وهو الشفاعة - إلّا من بعد إذنه تعالى فهو سبحانه هو السبب الأصلي الذي لا سبب بالأصالة دونه ، ومن دونه من الأسباب أسباب بتسبيبه وشفعاء من بعد إذنه . وإذا كان كذلك كان اللّه تعالى هو ربكم الذي يدبر امركم لا غيره مما اتخذتموها أربابا من دون اللّه وشفعاء عنده ، وهو المراد بقوله : « ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ » أي هلا انتقلتم انتقالا فكريا إلى ما يستنير به أن اللّه هو ربكم لا رب غيره بالتأمل في معنى الألوهية والخلقة والتدبير . وقد تقدم الكلام في معنى العرش والشفاعة والإذن وغير ذلك في ذيل قوله : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ ( الأعراف / 54 ) في الجزء الثامن من الكتاب . قوله تعالى : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا تذكير بالمعاد بعد التذكير بالبدء ، وقوله : وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا من قيام المفعول المطلق مقام فعله ، والمعنى : وعده اللّه وعدا حقا . والحق هو الخبر الذي له أصل في الواقع يطابق الخبر فكون وعده تعالى بالمعاد حقا معناه كون الخلقة الإلهية بنحو لا تتم خلقة إلّا برجوع الأشياء - ومن جملتها الإنسان - اليه تعالى وذلك كالحجر الهابط من السماء فإنه يعد بحركته السقوط على الأرض فإن حركته سنخ أمر لا يتم إلّا بالاقتراب التدريجي من الأرض والسقوط والاستقرار عليها ، والأشياء على حال كدح إلى ربها حتى تلاقيه ، قال تعالى : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ( الانشقاق / 6 ) فافهم ذلك . قوله تعالى : إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ الخ ؛ تأكيد لقوله : « إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً » وتفصيل لإجمال ما يتضمنه من معنى الرجوع والمعاد .